تطوير الذات

في عمق السكون الذي نخشاه.

التركيز على الشيء اهتمامٌ به، وإن لم ندرك ذلك.

وكذلك الشعور البغيض: نركّز عليه ونطيل النظر فيه ونبالغ في تفكيك ماهيته و تحليل سبب حدوثه، لعلّنا نتخلص منه!

فلا نزداد إلا ارتباطًا به، نتعمق في تحليله، نسأل لماذا نشعر بما نشعر به؟

ثم نتعب من الغوص في تفاصيل الشعور السلبي، من تكراره وعيش نفس الصراع في كل مرة، حتى يخفّ الضجيج في رؤوسنا ويسكن الداخل، كتوقف صوتٍ تعودنا على إزعاجه.

وحين يأتي الهدوء لا نستقبله بارتياح، بل بارتياب.

نستنكره ونخشى غياب الشعور الذي كفّ عن الظهور، ونسأل: ماذا حلّ بنا؟ أهذا هو التغيير الذي كنا نرجوه؟

هذا هو التبلد: لحظة توقفٍ في المشاعر، كإطفاء المحرك لصيانة النفس.

وفي هذا التوقف تتسلل الغربة، إذ نصير غرباء عن أنفسنا قبل الآخرين.

نستغرب توقفنا عن الاهتمام بما نشعر به، وعن سؤال: ماذا يحدث لي؟ وهل ما زلتُ من أعرفه أم تغيّرت؟

شعور بالغربة في واقع لم يتغير، تبلد لأن الشعور لم يعد موجودًا.

لحظات موجعة ومحيّرة، لم نعتدها: سكونٌ لا نحسّ فيه بالحياة، وطعمٌ واحد لكل شيء، بل لا طعم يُوصف.

وقد تمتد هذه المرحلة حتى نظن أنها كل ما بقي لنا، وقد ندرك، حين تنقضي، أنها كانت لحظةً صغيرة في عمرٍ كامل.

لا يمكننا تمييز الحبات الملونة داخل مياهٍ تغلي، كذلك أفكارنا، أخطاؤنا وعلاقتنا بأنفسنا ومن حولنا، لا يمكننا تمييزها جيدًا إلا حين يحل السكون وتهدأ حمى المشاعر.

التوقف الذي نسميه تبلدًا والهدوء الذي يشعرنا بالغربة، يحدثان في عالمٍ لا يتوقف، فالحياة من حولنا تواصل جريانها بسرعتها المعتادة، والمواعيد تتزاحم، والمسؤوليات تنتظرنا عند الباب كل يوم، لا تسأل عن حالنا ولا تمنحنا مهلة​ وهكذا نصير كمن توقفت ساعته الداخلية بينما بقيت الساعات كلها تعمل من حوله، نقوم بواجباتنا، وفي الداخل سكونٌ لا يعلم به أحد.

كيف يمكننا أن نستريح والحياة لا تسمح بالراحة؟ وكيف نصف هذا السكون لمن لا يرى فيه إلا كسلًا أو تقصيرًا؟

تبلد شعوري فما يسعدنا لم يعد يعطي نفس اللذة، حتى الانبهار خفتَ وطأته وتلاشت شدته.

غريب هو ما حولنا، لا شيء بات يجذبنا، لم نعد نهتم بما يثير قلق الآخرين ولا حتى ما يمنحهم الراحة.

نقوم بالعمل المطلوب على أكمل وجه، نتحرك، نأكل وننام، وحده الشعور اختفى.

قد تكون أيامًا، شهورًا أو حتى تقلبات موسمية.

بعد ما نعيشه من شكٍّ وريبةٍ يهدأ الغليان و تتمايز الحبات الملونة، نبدأ بتقبل ما نمر به، هنا تحدث اليقظة فما نراه الآن مختلف جدًّا عن تلك الصورة القديمة التي نعرفها عن أنفسنا.

يتضح جزء كبير من خطة حياتنا التي عشناها من قبل، تظهر تلك الأخطاء كمعلم جديد، يتعالى الصوت الناقد في داخلنا حتى نستيقظ للسير في درب جديد من دروب الحياة.

لا فائدة من النظر للخلف بندم وتأنيب، ولا وقت للتوقف أكثر، فقد حلّ إدراكٌ مختلفٌ لما تريده الحياة منّا ولما تمنحنا إياه.

غير أن الإدراك وحده لا يكفي. فكم من حقيقةٍ عرفناها، ثم تركناها خلفنا عند أول منعطف.

إن ما ينكشف لنا في هذا السكون ليس ضمانةً للتغيير، بل فرصةٌ له.

أما التطبيق فهو الاختبار الحقيقي، أن نحيا بما عرفناه لا أن نكتفي بالإعجاب به.

فالعبرة ليست فيما أدركناه عن أنفسنا، بل فيما سنفعله بهذا الإدراك حين تعود الحياة إلى ضجيجها المعتاد.

حين نؤمن أن ما مضى ما كان إلا قدرًا، يُزهر الأمل في قلوبنا ويعود الشعور أكثر ثباتًا ووضوحًا.

تنقضي تلك المرحلة ويحلّ اليقين، يسكن القلق ويزداد الوعي.

نحن الآن لدينا خريطة واضحة وفهمًا لكل الأحداث السابقة، تعلمنا الدرس عن طريق الألم والأجدرألّا نعود لما يؤلمنا بعد أن عرفنا حقيقته.

في هذه المرحلة علينا الاختيار إمّا أن نكمل طريقنا ونحن نضع دروسنا نصب أعيننا أو أن نتناسى تلك المرحلة ونعيد الكرّة.

القادم أجمل، هو اختيار لأملٍ جديد، نعيش لأجله.

أخيراً

لعّل السكون الذي نخشاه ليس توقفاً عن الحياة كما نظن، بل توقفًا تُعيد النفس فيه لمّ شتاتها بعيدًا عن الضوضاء، فهل سنظل نعتبر التبلد توقفاً عن الشعور أم مرحلة بناء صامتة؟

كونوا بخير:)


اكتشاف المزيد من خديدة وردية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

نورتي مدونتي_ يسرني تعليقك على ما كتبت.